ابن أبي الحديد
140
شرح نهج البلاغة
( 62 ) الأصل : ومن خطبة له عليه السلام : ألا إن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها ، ولا ينجى بشئ كان لها . ابتلى الناس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه ، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه ، وأقاموا فيه ، فإنها عند ذوي العقول كفئ الظل ، بينا تراه سابغا حتى قلص ، وزائدا حتى نقص . الشرح : تقدير الكلام أن الدنيا دار لا يسلم من عقاب ذنوبها إلا فيها ، وهذا حق ، لان العقاب المستحق ( 1 ) ، إنما يسقط بأحد أمرين : إما بثواب على طاعات تفضل على ذلك العقاب المستحق ، أو بتوبة كاملة الشروط . وكلا الامرين لا يصح من المكلفين إيقاعه إلا في الدنيا ، فإن الآخرة ليست دار تكليف ، ليصح من الانسان فيها عمل الطاعة والتوبة عن المعصية السالفة ، فقد ثبت إذا أن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها . إن قيل : بينوا أن الآخرة ليست بدار تكليف . قيل : قد بين الشيوخ ذلك بوجهين : أحدهما : الاجماع على المنع من تجويز استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة . والثاني : أن الثواب يجب أن يكون خالصا من المشاق ، والتكليف يستلزم المشقة ، لأنها شرط في صحته ، فبطل أن يجوز استحقاق ثواب في الآخرة للمكلفين المثابين في الآخرة
--> ( 1 ) ج : ( لان عقاب الذنوب ) .